محمد بن جرير الطبري
89
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
هذا . يقول الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قل يا محمد آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ بأن تحرموا ما حرمتم منه أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ أي تقولون الباطل وتكذبون ؟ وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني المثني ، قال : ثنا عبد الله ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قال : إن أهل الجاهلية كانوا يحرمون أشياء أحلها الله من الثياب وغيرها ، وهو قول الله : قُلْ أَ رَأَيْتُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَحَلالًا وهو هذا ، فأنزل الله تعالى : قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ الآية . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبى ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله : قُلْ أَ رَأَيْتُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ إلى قوله : أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ قال : هم أهل الشرك . حدثني القاسم ، قالا : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، عن عطاء الخراساني ، عن ابن عباس ، قوله : فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَحَلالًا قال : الحرث والأَنعام . قال ابن جريج : قال مجاهد : البحائر والسيب . حدثني المثني ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَحَلالًا قال : في البحيرة والسائبة . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : قُلْ أَ رَأَيْتُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَحَلالًا الآية ، يقول : كل رزق لم أحرم حرمتموه على أنفسكم من نسائكم وأموالكم وأولادكم آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ فيما حرمتم من ذلك أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : قُلْ أَ رَأَيْتُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَحَلالًا فقرأ حتى بلغ : أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ وقرأ وَقالُوا ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا وَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا وقرأ : وَقالُوا هذِهِ أَنْعامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ حتى بلغ : لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا فقال : هذا قوله : جعل لهم رزقا ، فجعلوا منه حراما وحلالا ، وحرموا بعضه وأحلوا بعضه . وقرأ : ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ أي هذين حرم على هؤلاء الذين يقولون وأحل لهؤلاء ؟ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهذا إلى آخر الآيات . حدثت عن الحسين بن الفرج ، قال : سمعت أبا معاذ ، قال : ثنا عبيد بن سليمان ، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : قُلْ أَ رَأَيْتُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَحَلالًا هو الذي قال الله : وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً إلى قوله : ساءَ ما يَحْكُمُونَ . القول في تأويل قوله تعالى : وَما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيامَةِ . . . لا يَشْكُرُونَ يقول تعالى ذكره : وما ظن هؤلاء الذين يتخرصون على الله الكذب فيضيفون إليه تحريم ما لم يحرمه عليهم من الأَرزاق والأَقوات التي جعلها الله لهم غذاء ، أن الله فاعل بهم يوم القيامة بكذبهم وفريتهم عليه ، أيحسبون أنه يصفح عنهم ويغفر ؟ كلا بل يصليهم سعيرا خالدين فيها أبدا . إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ يقول : إن الله لذو تفضل على خلقه بتركه معاجلة من افترى عليه الكذب بالعقوبة في الدنيا وإمها له إياه إلى وروده عليه في القيامة . وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ يقول : ولكن أكثر الناس لا يشكرونه على تفضله عليهم بذلك وبغيره من سائر نعمه . القول في تأويل قوله تعالى : وَما تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَما تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَما